منتدي أبناء أبوجلفا
مرحباً بك فى منتداك

عن 'التمكين' وأساطير سودانية أخرى: من يحكم؟ نقلاً عن الدكتور/ الأفندى

اذهب الى الأسفل

عن 'التمكين' وأساطير سودانية أخرى: من يحكم؟ نقلاً عن الدكتور/ الأفندى

مُساهمة من طرف عبدالله يوسف صديق في الثلاثاء فبراير 14, 2012 10:58 am

بعد مرور بضعة أشهر على انقلاب يونيو 1989 الذي أوصل نظام الإنقاذ القائم إلى السلطة، وصلت إلى الخرطوم في زيارة بعد غياب عن السودان لقرابة عامين. وكنا وقتها لا نزال على كثير من الشك حول هوية الانقلابيين وتوجهاتهم، رغم تواتر المعلومات عن كون الإسلاميين وراء الانقلاب. بعد لقاءات مع بعض القيادات في الحركة الإسلامية، وصلت إلى استنتاجين متناقضين: أولهما أن للانقلاب هوية 'إسلامية'، بمعنى أن الجهات المهيمنة على مفاصل السلطة كانت من المنتمين إلى الحركة الإسلامية. ولكن في نفس الوقت، كانت أكثر شكاوى المسؤولين الذين التقيت بهم هي من 'تدخلات' الإسلاميين في شؤون الحكم! أحد كبار المسؤولين الذين التقيت بهم أسهب في الحديث عن انتقادات الإسلاميين لتسيير الأمور، وختم قائلاً: لقد سئمت من كثرة انتقاداتهم واعتراضاتهم، وقد قلت لبعضهم إذا لم تكفوا فسنعيد تسليم السلطة حتى نرتاح من مناكفاتكم! أحد الصحافيين الشباب ممن كانوا يراقبون الأمور عن كثب قال مازحاً: لقد انكشفت لنا بعد هذا الانقلاب أمور كنا عنها غافلين، فقد كان هنا أشخاص كثر كنا نظنهم من أهل الحل والعقد، فإذا بهم على هامش الهامش حين جد الجد! تكتسب هذه الملاحظات أهميتها على خلفية القرارات والتصريحات التي صدرت من رئاسة الدولة ومسؤولي الخدمة المدنية حول إنهاء ما سمي بعهد 'التمكين'، في إشارة إلى تسييس الخدمة المدنية منذ بداية عهد الإنقاذ، وتقديم الموالاة على الكفاءة. وهو توجه زادت حدته بعد انقسام الحركة الإسلامية في نهاية عام 1999، حيث تعرضت الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة إلى حملات تطهير جديدة، طالت أنصار الشيخ حسن الترابي هذه المرة. وقد جاء في مقولات الحكومة أن الخدمة المدنية ستحرر من الآن فصاعداً من التدخلات السياسية، ولن تكون هناك معايير في الاختيار للوظائف إلا الكفاءة. بعض المعارضين علق بأن الخدمة المدنية قد سيست بالفعل حتى النخاع، وأن القائمين عليها هم على كل حال من أهل الولاء. وعليها فإن 'استقلال' الخدمة المدنية الاسمى لن يغير كثيراً في توجهاتها وهويتها وأساليب عملها. ولعل ما يريده هؤلاء هو اتباع سياسة 'تمكين' مضادة، تقوم على 'تطهير' المؤسسات من الموالين للنظام، وهو توجه قد يؤدي إلى إشكالات جديدة، ويعمق الصراع ويؤدي إلى استمراريته. من هنا لا بد من توضيح بعض الأمور، أولها أن عودة الديمقراطية الحقيقية إلى البلاد لا بد أن تبدأ من إخراج المؤسسات المحورية، وعلى رأسها القضاء والقوات النظامية والخدمة المدنية من دائرة الصراع السياسي. وهذا يتطلب إمساك القوى السياسية، بل وتعهدها بدايةً، بعدم التدخل في شؤونها إلا بحسب القانون والنظم الحاكمة لها. صحيح أن بعض القيادات والشخصيات ذات اللون السياسي الصارخ، أو الفاقدة للكفاءة، أو المتلبسة بالفساد، لا بد من إبعادها كشرط للتحول. ولكن هذه أمور يجب أن تترك لأهل الشأن في داخل هذه المؤسسات، وللقيادات الجديدة المشهود لها بالنزاهة والكفاءة التي يجب أن تعين على رأسها. هذا هو المنهج الذي اتبعته الثورات العربية في مصر وتونس واليمن، بخلاف ليبيا التي كما نعلم لم تكن بها دولة تستحق الاسم، إضافة إلى الثورة هناك اتخذت طابعاً مسلحاً شاملاً. وفي ما يحدث في ليبيا على كل حال عظة وعبرة، كما حدث في العراق حين أدى حل الجيش والشرطة إلى انفراط عقد نظام البلاد وانزلاقها إلى فوضى لم تخرج منها بعد. وعلى كل حال فإن ضمانات الحياد ضرورية لكسب هذه المؤسسات إلى جانب التغيير. لا شك أن تسييس الخدمة المدنية وإخضاعها لشروط الولاء قد بلغ حداً مدمراً في عهد الإنقاذ بسبب النهج غير الموفق الذي اتبع، وتدخل الأهواء الشخصية في القرارات في جو غابت فيه الشفافية والعدالة. ولكن كان لهذا التصرف سوابق في الفترة التي ثورة أكتوبر 1964، ثم وبصورة أكثر شناعة بعد انقلاب مايو 1969، حيث تم تصنيف كثيرين من أهل الكفاءة والخبرة في الجيش والخدمة المدنية والجامعات سياسياً وإقصاؤهم من مواقعهم، مما عاد على البلاد بضرر لم يتم جبره حتى اليوم. إلا أن ما اجترح في عهد الإنقاذ من تسييس للمؤسسات، بل وحتى شخصنة لها، فاق كل ما سبق. على سبيل المثال فإن وزير الخارجية الأول في عهد الإنقاذ، علي سحلول (عليه رحمة الله)، وهو من الدبلوماسيين المخضرمين، استخدم موقعه في الوزارة لتصفية حسابات شخصية مع كثير من زملائه السابقين في الوزارة. وقد اخترع سحلول تسمية 'أولاد منصور' لتصنيف خصومه، في إشارة لمجموعة من الدبلوماسيين يتهمون بولائهم لوزير الخارجية الأسبق في عهد النميري، الدكتور منصور خالد، الذي كان قد انضم إلى الحركة الشعبية المتمردة في الجنوب بعد انتفاضة أبريل عام 1985. وقد اتخذت هذه ذريعة لاستبعاد دبلوماسيين من ذوي الكفاءة لا لسبب إلا لخلافات أو ثأرات. وهذا يعيدنا إلى النقطة الأولى، وهي أن سحلول لم يكن من الإسلاميين، ولكنه يمثل قطاعاً عريضاً من التكنوقراط أو أنصار نظام النميري والمنتفعين، اختارتهم القيادات لمواقع مهمة. وقد كانت الحجة في أول الأمر التمويه، لأن الإسلاميين كانوا ينكرون صلتهم بالانقلاب، وعليه كان معظم الوزراء وكبار المسؤولين في بداية عهد الإنقاذ إما من غير الإسلاميين أو من الإسلاميين غير المعروفين. ولكن كان هناك مبرر آخر للاستعانة بأمثال هؤلاء، لأنهم بسبب وضعهم الخاص وتغليبهم للمصلحة الذاتية كانوا ينفذون كل ما يطلب منهم بدون كثير مناقشة، بخلاف غالبية الإسلاميين ممن كانوا يرون في أنفسهم الندية للقيادات ويكثرون من طرح الأسئلة، كما شكا المسؤولون. وكإجراء مكمل كان المسؤولون لا يتركون لمثل هؤلاء أمر القيادة والقرار في وزاراتهم، بل يتخذونهم واجهات ويحتفظون لأنفسهم أو المقربين منهم بالقرار، إما مباشرة أو عبر مرؤوسين اسميين لأولئك يكونون على صلة مباشرة بمن بيدهم الأمر ويأتمرون بأمرهم. وقد أدى هذا إلى خلل مزدوج. فمن جهة فإن تولية القيادة الاسمية لأفراد تنقصهم الكفاءة والمسؤولية معاً، بينما يكون القرار بيد غيرهم، أدى إلى النيل من هيبة المؤسسات وقياداتها، وأدخل الفساد البنيوي في المؤسسات، ولو من باب إفراغ الوظائف من محتواها، والفصل بين المسؤولية عن اتخاذ القرار وبين متخذه الفعلي. ولكن هذا لم يكن كل ما في الأمر، لأن من يقبل بلعب هذا الدور لا بد أن يتقاضى ثمناً، باستغلال المنصب لفائدته الشخصية، إما لفائدة مادية، أو لتصفية حسابات وتحقيق مصالح أخرى، وغالباً بالاثنين معاً. ولم يكن 'الإسلاميون' غائبين تماماً عن هذا المشهد، فقد كانت لهم تنظيمات في داخل الوزارات أو خارجها. ولكن هذه التنظيمات كانت في الغالب أيضاً تقوم على مبادرات شخصية من أفراد، غالباً ما تكون لأجندات شخصية أو فئوية، وكانت هناك صراعات لا تنتهي بين هذه المجموعات، وقد أصيبت بعدوى الفساد الضارب بأطنابه، فلم تكن ببعيدة من تصفية الحسابات. ولكن رغم شكوى كبار المسؤولين من 'انتقادات' الإسلاميين، فإن موقف غالبية الإسلاميين كان في مجمله سلبياً. فكثيرون قبلوا بما فرض عليهم إقصاء، وانزووا إلى شأنهم الخاص، إلا حين توكل لهم مهام محددة. آخرون قبلوا بالأدوار التي أوكلت لهم، سواءً في المؤسسات العامة أو الخاصة، ولم يشغلوا أنفسهم بالاتجاه العام للأمور أو السياسات المحورية، فكان هذا أشبه إلى حد كبير بالاهتمام بالشأن الشخصي. على سبيل المثال فإن كثيراً ممن عملوا في ملف الجنوب، وهو في نظري أهم ملف في عهد الإنقاذ، لم يكونوا يطرحون أسئلة حول التوجهات الاستراتيجي حول الجنوب، ولم يكن هناك منبر لهؤلاء لمناقشة التوجهات الكبرى والقرارات المحورية حول هذه القضية. ويمكن أن يقاس على ذلك من تولوا مهام أخرى أقل شأناً. آخرون اختاروا الانصراف إلى 'الجهاد' في الجنوب فيما يشبه التوجه 'الانتحاري' هرباً من تعقيدات لم يستطيعوا التعامل معها. المحصلة النهائية لكل هذا هي أن 'التمكين' المزعوم لم يكن للإسلام والإسلاميين كما هي الأسطورة الشائعة، بل لطائفة واسعة من المنتفعين وأهل الطاعة والمستعدين لإرسال عقولهم وضمائرهم في إجازة مدفوعة الأجر. وقد زاد التهافت على المناصب من قبل المنتفعين بعد بداية العهد النفطي، الذي توافق مع المفاصلة والانشقاق بين الإسلاميين. وقد وصل الأمر بعد ذلك أن أصبح الانتماء الإسلامي تهمة. وقد سمعت من بعض الأصدقاء العاملين في الدولة خلال السنوات الماضية أنهم أصبحوا يشعرون بالغربة ويواجهون بالشك حتى أصبح الذهاب إلى العمل بالنسبة إليهم محنة يكابدونها. وقد علمت من إسلامي مخضرم يعمل بالخارج إنه التقى أحد وزراء الحركة الشعبية بعد اتفاقية السلام فطلب منه مازحاً- أن يوجد له وظيفة في وزارته، فرد الوزير بعفوية صادقة: 'إن جماعتك هؤلاء لا يريدون الإسلاميين!' ولكن هذا ليس تبرئة للإسلاميين ممن جاءت صحوتهم المتأخرة كثيراً عبر مذكراتهم المتتالية بعد خراب البصرة ودمار الحركة الإسلامية وتدهور أحوال البلاد. ذلك أن المظاهر السالبة التي يتحدثون عنها في مذكراتهم من فساد وغياب للشورى وغياب للعدالة وانسداد للأفق السياسي لم تظهر اليوم أو الأمس. وقد شارك فيها من شارك من 'الإسلاميين' (إن صحت التسمية في حق كثيرين) إما مباشرة وبحماس 'جهادي'، أو بالتواطؤ أو الصمت أو السلبية. ولعل الإشكال هو أن من شارك ولم يشارك من الإسلاميين في هذه التجاوزات، وحتى من عارضها علناً، يحمل ويتحمل أوزارها، لأن كل الضحايا يتهمون الإسلاميين ويحملونهم المسؤولية عن التجاوزات. المفارقة إذن هي أن كثيراُ من الإسلاميين وبالنتيجة 'الإسلام' والتوجهات الإسلامية- يتحملون وزر نظام المستفيد الأكبر منه غيرهم من المنتفعين والمنافقين والمتسلقين، فهم يستدعون حين يتلعق الأمر بـ 'الجهاد' والتضحية، ويصرفون عند توزيع المغانم. ولكن مجرد التبرؤ الذي جاء متأخراً من تجاوزات النظام لن يكفي، لأن الأزمة أكبر من ذلك. ذلك أن أي تيار من الإسلاميين يقدم نفسه مستقبلاً للشعب السوداني سيواجه بأسئلة مشروعة حول أين كنتم حين كانت تلك التجاوزات التي لا يرضاها عقل ولا دين تقع باسم الإسلام وباسمكم؟ إن مسؤولية الإسلاميين عما وقع (بمن في ذلك من ابتعد ومن استنكر في السر) تتعدى الاستنكار ومحاولات الإصلاح على استحياء إلى دعم التغيير الإيجابي، وتحديد من تولى كبر التجاوزات والفساد بالاسم، ومن يتستر عليها ومن ينتفع بها، وضمان إقصائهم ومعاقبتهم. فالأمر لا يتعلق فقط بمكانة وسمعة الحركة الإسلامية، ولكن بمكانة الإسلام الذي يتدثر به المفسدون في الأرض، فيكونون بذلك من صد عن سبيل الله كثيراً، وهي جريمة تتضاءل أمامها كل جريمة أخرى. ولن يكونوا وحدهم المساءلون عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون
عبدالله يوسف صديق
عبدالله يوسف صديق

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 14/10/2011
العمر : 50
الموقع : السعودية- جامعة الحدود الشمالية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عن 'التمكين' وأساطير سودانية أخرى: من يحكم؟ نقلاً عن الدكتور/ الأفندى

مُساهمة من طرف حاتم الخضر في السبت فبراير 18, 2012 12:45 pm




مقال جيد جزاك الله خيراً دكتور عبد الله موضوع يستحق المتابعة واصل نحن فى الإنتظار



حاتم



حاتم الخضر
حاتم الخضر
Admin

عدد المساهمات : 84
تاريخ التسجيل : 20/03/2010

http://abuglfa.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى