منتدي أبناء أبوجلفا
مرحباً بك فى منتداك

الحركة الأسلامية وتجربة الأنقاذ - البروف/ التجاني عبدالقادر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحركة الأسلامية وتجربة الأنقاذ - البروف/ التجاني عبدالقادر

مُساهمة من طرف عبدالله يوسف صديق في الجمعة يناير 04, 2013 6:52 am


الحركة الإسلامية السودانية وتجربة الإنقاذ </A>





الاثنين, 25 يونيو 2012 12:34 التحديث الأخير ( الخميس, 28 يونيو 2012 13:51 )
</A>



أ.د التيجاني عبد القادر: المشروع الإسلامي السوداني يحتاج إلى إعادة صياغة
أجرت قناة "الشروق" الفضائية وضمن برنامجها الأسبوعي "مقاربات"، سلسلة لقاءات فكرية مع أ.د التيجاني عبدالقادر حامد، أستاذ الفكر السياسي الإسلامي بجامعة زايد بالإمارات، حول الأسلمة والتأصيل، والخطاب السياسي للحركات الإسلامية، وتجربة الحركة الإسلامية السودانية.

ويبتدر د. الجيلي علي البشير منتج ومقدّم البرنامج تقدمته للحلقة الرابعة قائلاً:
"أُتيح للحركة الإسلامية السودانية فرصة لم تُتح لغيرها من الحركات الإسلامية، فقد وصلت إلى سدة الحكم عبر حكومة الإنقاذ الوطني في يونيو 1989م... فهل نجحت الحركة الإسلامية بعدما وصلت إلى السلطان في تمثيل أيديولوجية الإسلام في السياسة والإدارة والاجتماع والاقتصاد؟


وهل استطاعت الحركة الإسلامية أن تُنزل شعاراتها الفكرية إلى برنامج عمل يومي، وهل قدمت فرصاً متساوية لمنطق العدل والمواطنة في الخدمات بعيداً عن أمراض خصومها؟


في هذا الجزء من مراجعة مشروع الحركة الإسلامية السودانية، نقف مع البروفيسور التيجاني عبدالقادر حامد على التطبيق والممارسة من خلال مشروع حكومة الإنقاذ الوطني".


هل كانت الحركة الإسلامية السودانية مهيأة لتجربة الحكم؟
كانت مهيأة نسبياً ولم تكن مهيأة بصورة كاملة، وأعتقد أن جزءاً من برنامجها على المستوى النظري لم يكتمل ولم ينضج، وجزءاً من الأطر البشرية والفنية لم تكن مكتملة بصورة كاملة.

ولكن هكذا تكون الأوضاع السياسية عموماً لا تتاح دائماً الفرصة لأي فريق أن يكتمل في أدواته ويكتمل في كل أطره ثم يستولي على السلطة.


المبررات التي ساقتها الحركة الإسلامية للقفز على السلطة عبر انقلاب هل يمكن أن تصمد بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر؟
لنكون دقيقين، هذه المبررات ساقتها قيادة الحركة الإسلامية التي كانت تشرف على هذه العمليات.

لأن قواعد الحركة الإسلامية لم يكن لها رأي في هذه المسألة وطبعاً بعض المبررات سقط الآن بدليل أن الذين كانوا يشرفون على العملية نفسها اعترفوا أن القرار نفسه كان خاطئاً وتابوا واستغفروا عن ذلك، فما أظن أن هناك دلالةً أبلغ من هذا.


ولكن بالنسبة للدارسين يستطيعون أن يتأملوا الظروف والخلفيات التي قامت فيها حركة الإنقاذ من ظروف داخلية وسياسية وعسكرية من الممكن أن يقال إن القيادة كانت في ظرف قدرت فيه تقدير سياسي معين.

ورجحت أن هذا هو الخيار الأنسب للسودان أو الخيار الأنسب للحركة الإسلامية واُتخذ القرار وفقاً لهذه المعطيات؛ طبعاً التجربة قد تكذب أو تصدق هذه الافتراضات.


في كتباتك أشرت إلى أن هناك تصورين مختلفين لمشروع الإنقاذ، لم يتم التعبير عنهما بصورة واضحة ولم تتح الفرصة للنقاش حولهما بصورة مستفيضة... نقف على هذين التصورين؟
أنا أظن -والله أعلم بالصواب- أن الأمين العام ومجموعة قليلة معه في القيادة كان عندهم تصور للانقلاب ولديهم تصور لما بعده.


العيب في الرؤية وليس الخطاب فحسب


لكن الجانب الآخر في المعادلة خاصة العناصر العسكرية التي شاركت في التنفيذ لم تكن لها تصورات مكتملة للعملية وما بعد العملية، لكن اكتملت تصوراتها وبدأت تتحسس وتكتشف مآلات هذا الحدث فيما بعد، وذلك هو الذي أدى إلى التوتر بين الفريقين.


الإنقاذ بدأت بخطاب مصادم مع القوى الأجنبية ومع القوى الداخلية والمعارضة داخل السودان، هذه المصادمة تنمُّ عن قلة خبرة بالعمل السياسي ومتغيِّرات السياسة العالمية أم أنه كان ضرورياً لإشعار الآخرين أن هذه الدولة لديها خطاب محدد تطرحه بهذه الصورة؟
الخطاب متصل بالرؤية وبالفكرة الأساسية، فإذا كان هناك عيب في الخطاب يمكن أن يرجع لعيب في الرؤية الابتدائية أصلاً، وأنا أظن أن الأمر كذلك.

"
الحدة في خطاب الإنقاذ أول الأمر، سببه حدوث خلط شديد جداً بين العدو الاستراتيجي في تصنيف الإنقاذ للقوى السياسية والأعداء الثانويين
"
الرؤية نفسها بها خلل، بمعنى أن الرؤية مهمتها أن تساعدنا في تحديد التناقضات الأساسية في المجتمع وتحديد الخصم الأساسي أو الخصم الثانوي حتى يستطيع السياسي أو التنفيذي أن يوجه خطاباً لكل فئة بالصورة التي تناسبها.

وأنا أعتقد أن واحدة من أسباب هذه الحدة في خطاب الإنقاذ أول الأمر، أنه حصل خلط شديد جداً بين العدو الاستراتيجي في تصنيف الإنقاذ للقوى السياسية والأعداء الثانويين.

العدو الاستراتيجي والنقيض الأساسي كان هو الحركة الشعبية المتمردة التي كانت تستولي على أجزاء من البلاد، فوضعها في هذه الحالة وضع منطقي وطبيعي.

لكن الفئات السياسية الأخرى ما كان ينبغي أن توضع في خانة العدو الاستراتيجي مثلها مثل الحركة الشعبية، وما كان ينبغي أن يوجه لها خطاب، هي خصم ولكن خصم ثانوي والخصومات الثانوية يمكن أن تسوى بخطاب أقل حدة.


وأنا افتكر، أن حدة الخطاب وقطعيته نتجت عن هذا الخلط، بمعنى أنه اعتبر الخصم الثانوي والعدو الاستراتيجي كلهم في سلة واحدة ووجه عليهم مدفعية واحدة، طبعاً هذه ترتبت عليها خسائر كبيرة.


هذا ما يتعلَّق بالخطاب الداخلي... ماذا عن الخطاب الخارجي؟
الحدة في الخطاب الخارجي أيضاً نتيجة لنفس الرؤية لأنها اعتبرت الخارج في خانة واحدة وكله يصب في صالح العدو الاستراتيجي بالتالي ألحق بالعدو الاستراتيجي فلم يميِّز بين قوى كان يمكن أن تكون أقل عدائية لو حيِّدت.

فالنظر للعالم بهذه الصورة لا ينمُّ عن رؤية فكرية ناضجة وإنما يدل على تعجُّل سياسي، وهذا التعجُّل هو الذي يقود إلى التعثرات في تقييم الآخرين والحكم عليهم وإطلاق الشعارات بصورة حادة.

وطبعاً هذا سرعان ما ينقلب إلى ضد لأنه بعد قليل تجبرك السياسة أن تتعامل وتعيد التصنيف للثانوي وتدخل في تناقضات سياسية لا أول لها ولا آخر.


الإجراءات التي أُتخذت في بداية الإنقاذ وسميت بإجراءات التمكين مثل الإحالة للصالح العام والتضييق على الخصوم وإقصاء الآخرين يبدو أنها لم تثر جدلاً أخلاقياً داخل أجهزة الحركة الإسلامية لأنه لم تظهر في ذلك الوقت اعتراضات بارزة عليها من قبل المكاتب المختلفة ومن قبل الأعضاء النافذين؟
كثير من هذه الممارسات لم تكن معروفة لعضوية الحركة الإسلامية وكثير من هذه الممارسات كانت تقوم بها أجهزة أمنية خاصة لا يستطيع المرء أن يطلع على أنشطتها لكن لا يخفى على أحد أن أول ما تكشفت هذه أثارت كثيراً من التساؤلات وكثيراً من الاعتراضات على مستويات متعددة.

لكن الظرف أيضاً كان ظرف تعبئة عامة فكثير من الناس ما كان يأبه لمثل هذه الأمور إذا نسبها للهدف العام، وهذا كان خطأ لا شك فيه.

كان ينبغي أن تكون هناك وقفة أشد قوةً في مثل هذه المخالفات، وفي وقتها لأنه لو وقفت عضوية الحركة وعناصرها المتنفذة والعالمة بهذه الأمور وقفة قوية لسدت الباب منذ البداية.


انفتاح السودان في ذلك الوقت عبر مشروع الإنقاذ على الحركات الإسلامية الأخرى وايواؤه لعدد كبير من الإسلاميين وتأسيس المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي داخل السودان، كل هذه خطوات البعض كان تقرأها في اتجاه الحركة نحو بسط مشروع إسلامي عالمي، ثم بعد ذلك تم التراجع عن جملة هذه الإجراءات... فهل التراجع كان ثمرة قراءة متأنية لأخطاء سياسية تمت في ذلك الوقت؟
الانفتاح متفق عليه أن الحركة الإسلامية السودانية قبل الدولة وبعد الدولة كانت تحاول أن تنفتح ما أمكن على الحركة الإسلامية والحركات التحررية حتى في العالم العربي والمحيط الأفريقي باعتبار أن هذا حزام طبيعي تستطيع أن تتناصر وتتقوى به.


الحركة الإسلامية، لماذا كان الانفتاح ثم التراتجع؟


لكن التنفيذ لهذه الأمور والتوقيت أيضاً ربما لم يكن موفقاً بالصورة المناسبة.

ولا تنس أيضاً أن الأجواء الدولية المعادية للسودان عموماً وللحركة الإسلامية ما كانت تسمح بمثل هذا النوع من التلاقي.

إضافة إلى ذلك في داخل الحركة الإسلامية كان هناك تنافر أيضاً بين الداعين للانفتاح على الحركات التحررية والتناصر بها وبين فريق آخر كان لا يرى أن هناك داعياً وأن المسألة ضررها أكثر من نفعها وتجلب من الغضب الإقليمي والدولي أكثر مما تقوي الحركة، فكان هناك تنافر واختلاف في هذه المسألة أدى إلى إحباط الفكرة.


جوبهت الإنقاذ في بداياتها بكم كثير من الأزمات؛ حصار اقتصادي، حرب أهلية، تضييق عالمي إلى حدٍّ ما، استطاعات الإنقاذ تجاوز هذه الأزمات... هل هذا دلالة على أنها كانت تنطوي على مشروع سياسي محدد تجاوزت به الأزمات أم أنها هي البركة كما يقول البعض؟
الفكرة الأساسية من الاستيلاء على الدولة كانت هي أن تتاح لك فرصة لتتصل بالشعب وتحرك في الشعب قوة حقيقية تفسح لها المجال وتتناصر بها.

فكانت الفكرة أن لا نتكئ -مثلاً- في الدفاع فقط بالدفاع النظامي أو القوة العسكرية النظامية، إنما يوسع مفهوم الدفاع ليتاح للشعب الفرصة للدفاع عن أرضه وكذلك في الاقتصاد والثقافة.

الفكرة هي أن الدولة تكون أداة لتقوية المجتمع الهدف كان هو خلق وإيجاد أطر اجتماعية قوية وفاعلة تستند عليها الدولة، لأن الدولة أصلاً في السودان بطبيعتها ضعيفة لأسباب موضوعية.

لذلك كان الهدف أن نعوِّض ضعف الدولة بتقوية المجتمع ليكون سنداً إذا أتت هجمة خارجية أو ضائقة اقتصادية.

فإذا كان لديك قاعدة اجتماعية قوية يمكنك أن تمتص ذلك، وأظن أن الإنقاذ في سنواتها الأولى نجحت في تحريك قطاعات كبيرة من الشعب وتجد تأييداً في قطاعات كبيرة وكان الأمل كبيراً في الإنقاذ أنها تستطيع تعبر بالسودان من حالة التخلف والفقر إلى حالة أخرى.

طبعاً هناك عوامل كثيرة لم تدع هذا المشروع أن يستمر.


في البدايات التعبئة الجهادية والدفع بالشباب والطلاب وقيادات الحركة إلى مناطق العمليات، في ذلك الوقت أدخلت ثقافة جديدة وسط كوادر الحركة الإسلامية... كيف تنظر إلى ثقافة التجييش هذه داخل مؤسسات الحركة وهل كانت لصالح الحركة أم ولَّدت إشكاليات أخرى؟
في تقديري أن مسألة الدفاع الشعبي وما يتصل به المفهوم الأساسي لم يكن فقط الناحية العسكرية.

"
الظروف الضاغطة على السودان حولت فكرة الدفاع الشعبي إلى دفاع عسكري، وهذه مشكلة ولدت مشكلات كثيرة داخل التنظيم
"

كان المقصود هو أن يشارك الشباب في مجهودات الدفاع بإمكانات ثقافية وإمكانات معرفية يعطي الدفاع الشعبي الوطني أبعاداً حضارية وثقافية كاملة.

لكن -وبكل أسف- وللظروف الضاغطة على السودان تحولت فكرة الدفاع الشعبي إلى دفاع عسكري، وهذه مشكلة ولدت مشكلات كثيرة داخل التنظيم.

فأصبح عناصر كثيرة في التنظيم فيها النزعة لحسم الأمور عن طريق القوة وعن طريق الفعل النظامي المباشر إلى آخره وقلت مساحات الحوار والتسامح مع الآخرين فتمت عسكرة التنظيم في تقديري بطريقة غير مقصودة لأنه كان المقصود توسعة الإطار العسكري ورفده بعناصر متعلمة وثقافية.

ولكن ما حدث عكس ذلك، طبعاً هذا لا يعني أنه لم تتحقق نجاحات لكن عسكرة التنظيم هذه ظاهرة التنظيم تحول إلى عبارات التنوير وعبارات الضبط والربط ومثلها هذا ما كان ينبغي ولا أعتقد أن هناك فائدة منه.


تعامل الإنقاذ الخارجي في ذلك الوقت، في بدايات الإنقاذ، ولَّد مشكلات مع عدد كبير من دول الجوار، فأصبحت هناك خصومة واضحة مع دول كانت في الأصل علاقات السودان معها جيدة... فهل هذا نتاج سياسة خارجية غير راشدة أم أنها نوع من الاستعداء على الإنقاذ لأنها تطرح مشروعاً إسلامياً واضح المعالم؟
هناك حقائق في السياسة الدولية منها أن هناك قوىً عالميةً كبرى علمياً وتكنولوجيا واقتصادياً، ولها هيمنة خاصة بعد سقوط المعسكر الشرقي، وأن هذه الدول الكبرى المهيمنة لها تحالفات إقليمية من خلالها تمرر هذه الهيمنة.

فأي مشروع معاكس لمشروع الهيمنة الغربية بهذه الصورة سيجد نفسه في مأزق.

فالسودان في البداية حتى ولو لم يطرح نفسه كمشروع معاكس إلا أنه قرئ بهذه الصورة وعلم من اتجاهاته الأولى أنه اتجاه معاكس، لذلك وجهت عليه كثير من المضايقات الدولية والإقليمية وكان هناك تخوف خاصة من الشعارات التي بدأ بها شعار الأسلمة والعسكرة وشعار التوسع الإقليمي وتصدير الثورة.

فهذه كلها شعارات كانت ضارة بالمشروع وألَّبت قوى أكثر من قدرة السودان وأكثر من قدرة الحركة الإسلامية.


هل كان بالإمكان لحكومة الإنقاذ في بداية طرحها أن تخفي وجهها، هل كان يمكن أن تكون هذه الشعارات في السر؟
أنا أعتقد أن المشكلة الأساسية ليست فقط في الشعارات أو في العداء الخارجي. مشكلة الإنقاذ الحقيقية أنها لم تستطع أن تستوعب الداخل نفسه وتتصالح مع الداخل السوداني بصورة سريعة وفعالة.

فخصوم الداخل الذين حولتهم الحركة إلى خصوم استراتيجيين هم الذين صاروا المعول الذي تستخدمه القوى الخارجية لضرب الإنقاذ.

فقوى الخارج لم تفعل شيئاً أكثر من أنها قدمت بعض التسهيلات وبعض الدعومات للقوى السياسية الداخلية التي خرجت من داخل السودان وجيّشت في الشرق وفي الغرب.

أنا افتكر أن هذه هي النقطة التي ينبغي أن يُسلط عليها الضوء.

المشكلة هي مشكلة داخلية، مشكلة السلم الداخلي ومشكلة المشاركة السياسية الداخلية والانفتاح على القوى السياسية الداخلية والتعامل معها بصدق ومحاولة جذبها للمشروع.

فإذا أنت فشلت في التعاون مع القوى الداخلية الوطنية التي يمكن أن تصنف أيضاً قوى إسلامية أيضاً إلى حدٍّ ما، فإذا فشلت في التعامل معها وحوَّلتها لأعداء أساسيين فلماذا تلوم الآخرين.

"
الإنقاذ بمثل ما طوت صفحة الأحزاب السياسية طوت صفحة الحركة الإسلامية نفسها التي صعدت بها للحكم
"


لم تبادر الإنقاذ أم أن خصوم الداخل أحجموا على المشاركة ورفضوا مبادرات الإنقاذ للتصالح؟
ينبغي أن نفرِّق بين قيادات الأحزاب وبين جماهير هذه الأحزاب، طبعاً طبيعي أن قيادات الأحزاب إذا أنت أزحتها من الحكم لن يعودوا إليك صاغرين.

ولكن هناك برامج اجتماعية كثيرة وبرامج ثقافية يمكن أن تستوعب فيها قواعد هذه الأحزاب وتفتح لها المنابر وتكون هي القاعدة العريضة التي تستند عليها الإنقاذ وكسب هذه القواعد أسهل كثيراً من كسب القيادات المحترفة التي كانت على رأسها، وهذا لم يتم بالصورة المطلوبة.

بالتالي السبب ليس أنها أحجمت لكن في تقديري أن الإنقاذ بمثل ما طوت صفحة الأحزاب السياسية طوت صفحة الحركة الإسلامية نفسها التي صعدت بها للحكم.

فصار التفاهم مع القواعد الحزبية عن طريق الأجهزة الأمنية والنظامية وليس عن طريق الوسائل السياسية لأنها جمدت الحركة الإسلامية بصورة كاملة وأبطلت فعالياتها وأصبحت الدولة وأجهزتها هي التي تقوم بالعملية السياسية.

وهذا فشل كبير جداً لا شك في ذلك ولم تترتب عليه النتائج الإيجابية المطلوبة.


هل كانت القبضة الأمنية مبررة وهل كان مطلوباً هيمنة القيادات الأمنية على مفاصل الدولة في بدايات الإنقاذ هل كان مطلوباً من أجل التمكين والدولة؟
إذا تكلمنا بوضوح وصراحة أكثر، الإنقاذ كانت إنقلاباً مزدوجاً، إنقلاباً خارجياً على الأحزاب والنظم السياسية والإطاحة بها بصورة كاملة، وإنقلابا داخليا على الحركة الإسلامية نفسها.


الإنقاذ لم تتصالح مع الداخل السوداني


فلما أزيحت الحركة الإسلامية أصبح هناك فراغ فمن يسد هذا الفراغ فجيء بالأجهزة الأمنية، ووضع تحت يدها الملف السياسي والملف العسكري والملف الاقتصادي وأصبحت كل الملفات العامة هي ملفات أمنية وانعدمت السياسة لأن السياسة نفسها تحولت لملف أمني.

السياسيون نفسهم تحولوا إلى أمنيين والاقتصاديين تحولوا إلى أمنيين وفي تقديري هذه أكبر عملية انحراف تحدث في الممارسة في داخل نظام الإنقاذ أن الحركة الإسلامية جمدت وأزيحت وأن المشروع كله تحول إلى مشروع عسكري أمني بمبررات كثيرة بمبررات الضغوط الدولية والتآمر الحزبي ومبررات لا نهاية لها.

ولكن في تقديري كلها مبررات قائمة على افتراضات وقراءات ممعنة في الخطأ وترتب عليها تطورات أخرى كانت نتيجتها فادحة على الحركة الإسلامية.

الزكام السياسي، كما أسميته في تجربة الحركة الإسلامية في الحكم، هل بدأ عندما بدد د. الترابي رصيده من التنظيم الحركي في مقابل البشير الذي يمتلك الشوكة العسكرية والذي احتفظ برصيده كاملاً؟
نعم، أنا أفتكر أن واحدة من النقاط التي لم يتحسب لها د. الترابي، وهو رجل دقيق الحسابات، هي مسألة حل التنظيم والاستغناء عن الحركة الإسلامية والاكتفاء بثقته في المجموعة العسكرية التي قادت معه الإنقلاب، وهو كان يظن أنه يستطيع أن يدحرجها خارج السلطة بصورة سهلة ويستكمل المشروع.

ولكن كان هذا تقديراً خاطئاً لأن الطرف الآخر كانت له أجندة وتصورات واستطاع أن يسحب بعض عناصر القوة من د. الترابي ويضعف قدراته وإمكاناته، ويوجد له قاعدة بديلة على المستوى القيادي وعلى مستويات وسطى ويستغني عن الترابي وعن الحركة الإسلامية.

"
الدولة أصبحت مرجعية نفسها، ليس هناك خطة استراتيجية ولا رؤية ولا أيديولوجية واضحة تسير عليها الدولة، فأصبحت الدولة تتحرك بردود الفعل وهذا قاد إلى ما قاد إليه من مشاكل
"

هل كان حل المجلس العسكري للإنقاذ وإحلال القيادة التنظيمية تدريجياً مكانه، صحيحاً؟
حسب الوثائق التي اطلعت عليها، صحيح هناك من الوثائق التي نشرت فيما بعد تشير إلى أنه كان هناك عهد واتفاق أن ينحل بعد فترة زمنية محددة المجلس العسكري وتتولى قيادة الحركة الإسلامية الإدارة بصورة كاملة.

لكن ما حدث أظن أنه اختلاف أيضاً في داخل القيادة في مجموعات كانت موالية لـ د. الترابي تحولت للجانب الآخر بالتالي د. الترابي فقد الأغلبية داخل القيادة.

وتم تثبيت القيادة العسكرية واستؤنف البرنامج بصورة على غير ما كان عليه الاتفاق ودخلنا في مرحلة جديدة ليست هي المرحلة الأولى التي على أساسها أنبرم الأمر وقام الانقلاب بالتالي بدأ الصراع من هذه النقطة.

وطبعاً ترتب على الصراع ما هو أسوأ منه لأن الإنقاذ تشكلت تدريجياً في أعقاب هذا الصراع، فتحولت من طبيعتها الأولى إلى شكل آخر.

القبضة الأمنية والقبضة السياسية ترتبت على هذا الصراع، طبعاً المرجعية التي كان يمثلها الأمين العام انزاحت وقلت فأصبحت حركة الدولة منفكة تماماً من المرجعية وأصبحت كأنما الدولة هي مرجعية نفسها ليس هناك خطة استراتيجية ولا رؤية ولا أيديولوجية واضحة تسير عليها الدولة.

فأصبحت الدولة تتحرك بردود الفعل وهذا قاد إلى ما قاد إليه من مشاكل.


هناك عوامل قد تكون ساعدت في زيادة حدِّة الصراع أو في الدفع بمعسكر معين إلى مراكز القوى، واحدة من هذه العوامل حادثة محاولة اغتيال د. الترابي في كندا، في العام ألف وتسعمائة اثنان وتسعين... إلى أي حدٍّ أثرت هذه الحادثة على المشهد وإلى بروز تيار أمني معيَّن يحرِّك الأمور ويسعى إلى إزاحة الأمين العام؟
طبعاً، محاولة إزاحة د. الترابي بدأت قبل زيارته إلى كندا وتصريحاته بأنه لا يخفي دوره في حركة الإنقاذ وأنه هو المحرك الفعلي للعمل السياسي والدبلوماسي وأن هذه القيادات هي واجهات تحرك من الداخل، وهذه كان الترابي لا يخفيها وأي مراقب للوضع كان يراها.


هل كان الوضع كذلك؟
نعم، كان الوضع هكذا، كان الترابي فعلاً يحرِّك الملفات بصورة كاملة لكن بالتشاور في بعض الأحيان وبالاتفاق.

فهي ترتيب لأدوار العسكريين الذين كانوا يقومون بدور الوزراء الذين جيء بهم في تلك الفترة، كانت لهم أدوار، لكن الرؤية الكاملة والبرنامج الأساسي كان في قبضة د. الترابي.

طبعاً هذا أحدث مضايقات، فعدد منهم حاول أن يخرج من هذا المأزق بشتى الطرق وعبروا عن ذلك باستقالة واحد منهم من مجلس قيادة الثورة.

ولما ذهب الترابي إلى كندا هو نفسه ذهب مغاضباً وكان يريد أن يثبت أن الإنقاذ لا تستطيع أن تستغني عنه بعلاقاته الدولية وبعلاقاته مع الحركات الإسلامية.

لكن طبعاً السياسة لا تأتي بالتوقعات فاستطاعت المجموعة المناوئة له أن تضيِّق عليه خاصة في ظروف المرض وما أصيب به فاستتب لها الأمر وقويت داخلياً فأصبح موقف الترابي يضعف تدريجياً إلى أن تمت إزاحته بصورة كاملة.


جاءت مذكرة العشرة، أيضاً، في ظل الصراع لتصحيح بعض الأوضاع... هل كان يمكن قراءة هذه المذكرة بأنها مذكرة طبيعية تأتي في سياق الإصلاح لو لم تكن هناك صراعات أصلاً محتدة داخل جسم الإنقاذ؟
نعم، كان يمكن أن تكون مذكرة إصلاحية لأنها اقترحت بعض التعديلات الهيكلية وبعض التعديلات الإدارية والاختصصات، لكنها لم تكن تخلو من الغرض السياسي وهو تحجيم الأمين العام والدعم الذي وجدته بصورة مباشرة من رئيس الدولة يدل على ذلك لولا ذلك كان يمكن أن يكون النقاش حولها هادئاً وموضوعياً.


د. الجيلي: تساؤل حول مآلات مذكرة العشرة


لكن، ما كان الفصل بين الإصلاحات الإدارية والأغراض السياسية ممكناً في ذلك الوقت، فبالتالي الترابي فسرها في هذا الإطار وهو محق في ذلك.


مآلات مذكرة العشرة... هل انتهى الحال بالذين كتبوا هذه المذكرة في نفس المشكلات التي كتبت من أجلها؟
نعم، إذا كانت المذكرة تعترض على الصلاحيات والمهام التي كان يتمتع بها الأمين العام، فالصلاحيات التي صار يتمتع بها من خلفه مضاعفة عشرة أضعاف.

وأنا كنت أتوقع من أصحاب المذكرة أن يكتبوا مذكرة أخرى ضد الصلاحيات والمركزية الشديدة التي وضعت في موقع رئيس الجمهورية على وجه الخصوص.

فالأمين العام ما كان لديه غير أمانة الحركة الإسلامية وشيء من بعض الأمانات في الأقاليم.

ولكن بعد مذكرة العشرة أصبحت الحركة الإسلامية ورئاسة المؤتمر الوطني ورئاسة القوات المسلحة ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الدولة كلها أصبحت في يد قيادة واحدة.

فكيف يستقيم هذا وكيف أن أصحاب المذكرة العشرة ينامون وضميرهم مطمئن كأنه لم يحدث شيء.. هذا تناقض لم أستطع فهمه.


لحل المَشكل الاقتصادي طرحت الإنقاذ النظام الرأسمالي... هل أوقعها هذا في جدل أخلاقي كونها تتبنى المشروع الإسلامي، وفي نفس الوقت تطبق النظام الرأسمالي في الجوانب الاقتصادية المختلفة، وهل كان هذا مشروعاً جيداً لحل مشكلات الفقر الموجودة السودان؟
أنت قلت إنها تبنّت النظام الرأسمالي، أنا لست متأكداً من أي نظام اقتصادي تتبناه الإنقاذ.


نظام الخصخصة؟
نعم، الخصخصة يمكن أن تسير في هذا الاتجاه... لكن النظام الرأسمالي على علاته لديه فوائد وليس كله شراً، لكن النظام المطبق هذا أنا لا أستطيع وضعه في سياق معين.

لكنه فعلاً كما تفضلت أقرب إلى النظام الرأسمالي بمعنى أن قوى الإنتاج وفوائد الإنتاج كلها تذهب إلى شريحة صغيرة جداً والقطاع العام كله يكون مساحة للجبايات والضرائب.

وهذا بالتأكيد لو نَسبته للمنظومة الإسلامية والمذهب الإسلامي في الاقتصاد لا يستقيم بهذه الصورة، إطلاقاً وأنا أعتقد أن هذا واحد من نقاط الضعف الأساسية، لأنه ليس لدينا مفكرون اقتصاديون أصلاً.

نحن لدينا موظفون اقتصاديون كانوا يعملون في المؤسسات الدولية، ومديرو مصارف، لكن ليس لديهم، أصلاً، رؤية لاقتصاد إسلامي أصيل وتجربة محدودة في المصارف الإسلامية.

وكذا فيدار الاقتصاد بعقلية شركة ليس أكثر من ذلك ومقاطعات كل مقاطعة تدار بصورة منفصلة ليس هناك نظرة كلية تجمع قطاعات الاقتصاد وتوجه التنمية بصورة واضحة لا توجد نظرية في التنمية نفسها ولا حديث عن التنمية.

كل ما سألتهم عن التنمية تحدثوا عن الجسور التي أقيمت أشياء متفرقات، لكن رؤية واحدة تنضوي في إطارها كل الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية والاستثمارية لا أراها.


تجربة الحروب الطويلة مع حركات التمرد والتحرر إلى أي شيء تشير هذه التجربة، إذ هنالك اتهام للإنقاذ بأنها من خلال حروبها مع هذه الحركات عمَّقت الجهوية والعرقية؟
طبعاً هذه الحروب لم تقم بصورة كاملة، حرب الجنوب الطويلة هذه استراتيجياتنا وتكتيكاتنا صندوق مقفول وحروبنا أيضاً مع الحركات الأخرى كلها صناديق مغلقة لم تقيَّم تقييماً حقيقياً، ولم تستخلص منها التجربة في تقديري بصورة كافية.

"
الحركة الإسلامية ضاعت، وضاع الشعب السوداني كله وضاعت مصالحه الحقيقية بسبب هذه الصراعات الرعناء التي لا معنى لها في تقديري
"

وطبعاً من ناحية أنها عمقت الجهوية فهي عمقت الجهوية وعمقت ما هو أسوأ من الجهوية طبعاً أنت عندما تقول الحروب فهي لا تتم في الخارج فقط وفي الجبهات العسكرية.

إنما الحروب تبدأ في العقول والتصورات، فيعني لو في شيء يحتاج للتساؤل هو من أين أتت هذه العقلية الحربية إلى داخل الحركة الإسلامية وكيف أزاحت عقلية السلام وعقلية الانفتاح ولماذا أصبحت قيادات الإنقاذ تنشط في اتجاه هذه الحروب.

وأنا أستطيع أن أؤكد أن هذه العقلية الحربية وهذه الحروب والإسراع فيها أيضاً شكلت وبدلت شكل النظام السياسي كله.

وتحول النظام إلى نظام أوتوقراطي لا يقبل الشورى والمصالحة ليس مع الحركات المتمردة بل مع العضوية الطائعة يعني عضويتك في الداخل أصبحت تطبق عليها نفس المنطق الحربي الذي تطبقه على الحركات المتمردة.

فالحروب انعكست سلباً على أبنية التنظيم الداخلية وعلى طريقة التعامل وعلى مستقبل الحركة الإسلامية بصورة كبيرة جداً وستنتهي بالإنقاذ إلى نقيض ما بدأت به، أي العدو الاستراتيجي يصبح صديقا استراتيجيا والصديق الاستراتيجي يصبح عدوا كذلك.


المفاصلة التي تمت في الرابع من رمضان وبرز منها مؤتمران، شعبي ووطني، ووصفتها أنت بأنها أخطر الانشقاقات في جسم الحركة الإسلامية ما زال عند البعض آمال بأنها مجرد مسرحية ويوماً ما ستعود المياه إلى مجاريها؟
أنا أعتقد أن هناك قوة في المؤتمر الوطني وعناصر في المؤتمر الشعبي مصممة على أن لا تتحد الحركة الإسلامية ومصممة على تصفية الحركة الإسلامية بصورتها القديمة كاملة لأني لا أستطيع أن أبرر هذه العداوات بصورة غير هذا.

وأنت تعلم أن هناك محاولات جرت سراً وجهراً من الداخل ومن الخارج وحاولنا نستقصي كيف أصبح هذا العداء متناقضاً بهذه الصورة.

فما وجدنا لها أسباب فكرية ظاهرة ولا خلاف أيديولوجي فهو خلاف بدأ في السلطة وانتهى في السلطة بعض القابضين في السلطة يتخندقون فيها يوماً بعد آخر.

وأيٌّ من ينازعهم في هذا الأمر مستعدون أن يضربوا عليه بيد من حديد والذين فقدوا السلطة أيضاً مجتهدون ليلاً ونهاراً على أنه لا بد أن يستعيدوا السلطة ويبذلوا في سيبل ذلك الغالي والرخيص.

وضاعت بالتالي الحركة الإسلامية وضاع الشعب السوداني كله وضاعت مصالحه الحقيقية بسبب هذه الصراعات الرعناء التي لا معنى لها في تقديري.


في نقدك لتجربة الحركة الإسلامية وما كتبته، يتساءل البعض عن تخلي البروفيسور التيجاني عن قناعاته الفكرية بالمشروع الإسلامي؟
أنا أعتقد أن المشروع الإسلامي يحتاج إلى إعادة صياغة وهناك جوانب أصلاً لم تكن متكتملة تحتاج أن تستكمل، وهناك جوانب أفسدتها الدولة ينبغي أن يعاد النظر فيها، واحد منها هي المسألة الاقتصادية.

"
الانحياز للنظام الرأسمالي في السودان ينبغي أن يوقف ويعدل لا يمكن أن تكون الحركة الإسلامية جزئية تضاف للنظام الرأسمالي
"

وأنا أفتكر حينما نعيد صياغة البرنامج الإسلامي مرة أخرى يجب أن تكون لدينا رؤية أكثر تحديداً وأكثر دقة للمعضل الاقتصادي.

ولقضية التنمية نقطة أخرى المشكلة الاجتماعية لا بد أن يكون المشروع مستنداً على قاعدة أو رؤية للتغيير الاجتماعي بصورة مختلفة من الصورة التي بدأنا بها -يعني المكون الاجتماعي- نحن لسنا فقط مجرد حركة سياسية محترفة إنما نحن حركة تغيير اجتماعي فلا بد من إضافة هذا المكون الاجتماعي المهم ورؤيتنا له.

طبعاً، إضافة إلى ذلك مسألة الدولة نفسها المشروع لا بد أن يحدد نظرية للدولة ماذا نريد أن نفعل بالدولة وما هي العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الحزب نفسه، ما هو الحزب.. وما هو دوره إذا كان حركة إسلامية أو غيره.

القيادة نفسها كيف تكون هذه المكوِّنات الأساسية للبرنامج الإسلامي ينبغي أن يعاد فيها النظر ويحزف منها ما هو غير صالح وتضاف إليها نقاط أصبحت لازمة وأساسية.

والانحياز للنظام الرأسمالي هذا ينبغي أن يوقف ويعدل لا يمكن أن تكون الحركة الإسلامية جزئية تضاف للنظام الرأسمالي
avatar
عبدالله يوسف صديق

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 14/10/2011
العمر : 48
الموقع : السعودية- جامعة الحدود الشمالية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى